الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ: أي مستقبل ينتظر اقتصادات الشرق الأوسط والخليج حتى 2035؟

يشهد الاقتصاد العالمي إعادة تشكيل عميقة في ملامحه، وذلك بفعل قوتين أساسيتين الأولى تتمثل في صعود الذكاء الاصطناعي كمحرّك إنتاجي هائل، والثانية في تصاعد المخاطر المناخية المادية مثل الفيضانات والجفاف والإجهاد الحراري وحرائق الغابات. وبينما تشير تقارير دولية أن هذه القوى قد تضيف تريليونات الدولارات للناتج العالمي أو تسلبه في حال أُسيء التعامل معها، تبرز منطقة الشرق الأوسط والخليج كمسرح حساس لهذه التحديات والفرص. فمن جهة، تمتلك المنطقة فرصة لاغتنام عوائد تكنولوجية هائلة عبر تبنّي الذكاء الاصطناعي، تقدر بأكثر من 232 مليار دولار حتى 2035 ، ومن جهة أخرى، تواجه ضغوطاً مناخية مباشرة تُهدد الإنتاجية وفرص العمل، خصوصاً مع تزايد موجات الحرارة والفيضانات في دول الخليج
لفهم ما ينتظر اقتصادات المنطقة، يمكن النظر إلى ثلاثة سيناريوهات عالمية، لكنها تكتسب أبعاداً خاصة في الشرق الأوسط والخليج
السيناريو الأول: فرصة النمو النوعي
في هذا السيناريو الأكثر تفاؤلاً، يتم دمج التقنيات المتقدمة – وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي – بطريقة مسؤولة ومدعومة بمعايير واضحة تضمن الثقة بين الشركات والدول؛ بحيث تضمن خلق فرص العمل واستدامة النمو على المدى الطويل؛ فتكون النتيجة قفزة كبيرة في الإنتاجية وضمان إيرادات مرتفعة لصالح الميزانيات.
إقليميًا، يعني ذلك أن الخليج يمكن أن يتحول إلى مركز عالمي لتطوير واستخدام حلول الذكاء الاصطناعي في قطاعات الطاقة، والخدمات المالية، والرعاية الصحية. كما تتجاوز الفوائد الاقتصادية للذكاء الاصطناعي تكاليف الأصول العالقة من إزالة الكربون، وهي تلك الأصول الناتجة عن التخلي عن مصادر الطاقة الملوثة للبيئة مثل مصادر الفحم أو الطاقة الأحفورية. وهذا سينعكس نمواً على الاقتصاد العالمي بنسبة تقدر بنحو11%؛ ليقفز من 132 تريليون دولار إلى 144 تريليون دولار، مع تحقيق مكاسب مباشرة للمنطقة العربية عبر استثمار الطاقات الشابة وتطوير المهارات الرقمية
السيناريو الثاني: نمو محدود تحت الضغوط
في هذا السيناريو الوسطي، تتصدر المصالح الوطنية والإقليمية على حساب التعاون الدولي، فيكون الاعتماد على التكنولوجيا مجتزأً وأقل موثوقية. وفي هذه الحالة، لن يحقق الذكاء الاصطناعي مكاسب مرتفعة، بل قد تُلغى نتيجةً للتكاليف المتزايدة للمخاطر المناخية، في حين تمضي عملية التحول في الطاقة بوتيرة بطيئة.
بالنسبة للمنطقة العربية والخليجية، يترجم ذلك إلى نمو اقتصادي متواضع، حيث تلغي المكاسب التقنية والخسائر المناخية بعضها البعض. وفي هذه الحالة لن يتجاوز النمو العالمي نسبة 5% ، وفق سيناريو “استمرار الأعمال كالمعتاد” بحلول 2035. وهذا يعني استمرار البطالة المرتفعة نسبيًا في المنطقة (قرابة 10%) ، مع ضعف القدرة على خلق وظائف نوعية، خصوصاً في القطاعات المعرّضة للحرارة العالية مثل البناء والزراعة
السيناريو الثالث: خسائر تفوق المكاسب
أما السيناريو الأسوأ، فيتجسد في بيئة عالمية مضطربة يسودها الصراع وعدم الاستقرار وتصاعد الشكوك. هنا، يُفقد الذكاء الاصطناعي الثقة ولا يحقق سوى نتائج سلبية، إذ يُفقد وظائف أكثر مما يخلق، ويتم إهمال تدابير الاستدامة، ما يفاقم آثار تغيّر المناخ
إقليمياً، سيكون الخليج عرضة لتراجع حاد في الإنتاجية، حيث تُفاقم موجات الحرارة والفيضانات خسائر البنية التحتية وتزيد من فقد ساعات العمل. في هذا السيناريو، قد ينكمش النمو العالمي عن خط الأساس، وتواجه اقتصادات المنطقة ضغوطًا شديدة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي
ضمانات الاستقرار مستقبلاً
ترسم السيناريوهات الثلاثة المذكورة ملامح متباينة لمستقبل الاقتصاد العالمي، لكنها تحمل رسائل بالغة الأهمية للشرق الأوسط
ولدول الخليج. فاغتنام الفرصة التاريخية التي يقدمها الذكاء الاصطناعي يتطلب
حوكمة واضحة ومسؤولة للتقنيات تبني الثقة وتشجع الاستثمار –
تعزيز البنية التحتية المناخية لمواجهة الفيضانات وموجات الحرارة وحماية الإنتاجية –
سياسات انتقال عادل في سوق العمل ترفع المهارات الرقمية وتوفر شبكات أمان اجتماعي –
وعليه، تمكنت حكومات المنطقة من الجمع بين الاستثمار الذكي في التقنيات وبناء اقتصاد متكيّف مع المناخ، فإن الخليج والشرق الأوسط لن يقتصرا على تجنب السيناريو الأسوأ، بل قد يتحولان إلى رواد عالميين في صياغة نموذج للتنمية المستدامة على مدى العقد المقبل